خليل الصفدي
29
أعيان العصر وأعوان النصر
كان الملك الناصر حسن قد جعله أمير شكار ، ولما كان في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة أخرجه من مصر إلى طرابلس نائبا ؛ عوضا عن الأمير بدر الدين مسعود بن الخطير ، ووصل بكلمش إلى دمشق في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان المعظّم ، وتوجّه إلى طرابلس ، ولم ير أهل طرابلس منه شيئا من الخير سوى أنه كان يجيد اللعب بالطير . وكان حسن الشباب ، وضيء الإهاب بسط جوره على أهل طرابلس ، وظلمه ، وأعاد أيامهم كأنها ليالي ظلمه ، وربما تعرض إلى الحريم ، ونزل بروضة فأصبحت كالصريم ، ورحل منها جماعة لم يصبروا على هذا المضض ، ولا صبروا على هذا المرض ، ولم يزل بها وهو يطلب حريمه من القاهرة فما يجاب ، ولا يردّ جوابه على يد بريدي ولا نجاب . وتوجه إلى صفد في واقعة أحمد الساقي ، وحصره في القلعة - على ما تقدم في ترجمة أحمد - ، وعاد إلى طرابلس ، ولم يزل بها إلى أن خرج مع بيبغاروس وأحمد ، ووصلوا إلى دمشق في نهار الأربعاء الخامس عشر من شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة ، وأقاموا بها أربعة وعشرين يوما - على ما تقدم في ترجمة أحمد - ، وعاث الأمير سيف الدين بكلمش في مرج دمشق وأفسد ، ولما هرب بيبغاروس ، وعاد إلى حلب عاد بكلمش معه ، ودخلوا الأبلستين إلى عند ابن دلغادر ، وأقاموا عنده ، ثم إن أحمد وبكلمش حضرا إلى نواحي مرعش ، وناوشهما أهل القلاع القتال ، ثم لحق بهما ابن دلغادر ، ولم يزالا عنده إلى أن أمسكهما ابن دلغادر ، وجهّزهما إلى حلب ، فاعتقلهما نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي ، وطالع السلطان الملك الصالح صالحا بأمرهما ، فعاد الجواب على يد الأمير سيف الدين طيدمر أخي الأمير سيف الدين طاز ، بأن يجهّز رأسيهما إلى مصر فحزّ رأسيهما ، وجهزا مع المذكور في العشر الأوسط من المحرم سنة أربع وخمسين وسبعمائة ، فسبحان الدائم الباقي . 450 - بلاط « 1 » الأمير سيف الدين كان معروفا بالدين ، موصوفا بالعقل المتين ، حسن الود لأصحابه ، أفاق الدهر من سكرته وصحابه ، كان مقدما عند المظفّر ، ذا جانب على التقديم موفّر ، إلّا أنه لحسن نيّته ، وسلامة طويّته ، سلمه اللّه من الناصر فما آذاه ، ولاحظه السعد وحاذاه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس في شعبان سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، وكان قد أخرج من مصر إلى دمشق ، فأقام بها قليلا ، ثم نقل إلى طرابلس ، وبها مات - رحمه اللّه تعالى - .
--> ( 1 ) بلاط كان مقدما عند المظفر بيبرس ، ثم أخرج بعده إلى دمشق ، ثم إلى طرابلس ، فمات بها في شعبان سنة 718 . ( انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1325 ) .